عبد اللطيف البغدادي

24

التحقيق في الإمامة وشؤونها

القول الأول وأدلته أما القول الأول وهو أن المراد من الإمام مطلق مَن إتُخِذ إماماً وعلى هذا يكون معنى الآيتين ، إن كل طائفة من الناس أو فرقةٍ منهم اتخذت إماماً لها فبايعته أو اقتدت به في الحياة الدنيا واتبعته تدعى به يوم القيامة سواءً كان ذلك الإمام إمام هدىً أو إمام ضلالة ، واتّباعها له في سبيل الحق كان أو في سبيل الباطل ، فتدعى تلك الفرقة بإمامها الذي ائتمت به في الحياة الدنيا ، وإذا دعيَ كل أناس بإمامهم فحينئذٍ مِن اقتدى منهم بإمام الحق والهدى وقد دعي باسمه ومعه فأولئك يأخذون كتابهم بأيمانهم ويقرؤونه فرحين مستبشرين بالسعادة والنعيم ( وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( والفتيل هو الحبل الذي يكون في شق النواة ، والمعنى لا يظلمون مقدار فتيل بل يُوَفّون أجورهم تامة غير منقوصة ، ثم يكونون أخيراً معهم في الجنة . وأمّا مَن اقتدى بغير إمام الحق والهدى فيظهر حينئذٍ فيه العمى وهو عمى البصيرة الذي كان عليه في الدنيا ، قال تعالى : ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأْبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( [ الحج / 47 ] ، وظهر عليه في الآخرة ، بل يظهر من الآية الكريمة أن عماه في الآخرة يكون أشد من عماه في الدنيا لذا قال : ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ( أي أكثر عمىً وضلالاً . والمعنى ومن كان في هذهِ الحياة الدنيا لا يعرف إمام الحق ولا يسلك سبيله فهو في الآخرة لا يجد السعادة والفلاح ولا يهتدي إلى المغفرة والرحمة ، ويكون أخيراً مع إمام الضلال والباطل في النار .